ابن العربي
1021
أحكام القرآن
الآية الثانية والأربعون - قوله تعالى « 1 » : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ . وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ . فيها ست مسائل : المسألة الأولى - في سبب نزولها « 2 » : وفي ذلك خمس روايات : الأولى - ثبت في الصحيح ، عن سعيد بن المسيّب ، عن أبيه ، قال : لما حضر أبا طالب الوفاة دخل على النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وعنده أبو جهل ، وعبد اللّه بن أبي أميّة فقال : يا عمّ ؛ قل لا إله إلا اللّه كلمة أحاجّ لك بها عند اللّه . فقال له أبو جهل ، وعبد اللّه بن أبي أمية : أترغب عن ملّة عبد المطلب ؟ فلم يزالا يكلّمانه حتى قال آخر شيء تكلم به : أنا على ملّة عبد المطلب . فقال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم : لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنك . فنزلت : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا . . . الآية ، ونزلت « 3 » : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ . الثاني - روى عن عمرو بن دينار أن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قال : استغفر إبراهيم لأبيه ، وهو مشرك ، فلا أزال أستغفر لأبى طالب حتى ينهاني عنه ربي . فقال أصحابه : لنستغفرنّ لآبائنا كما استغفر النبىّ لعمه ، فأنزل اللّه : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا . . . إلى : تَبَرَّأَ مِنْهُ . الثالثة - روى أنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم لما أتى مكة أتى رضما « 4 » من حجارة أو رسما أو قبرا ، فجلس إليه ، ثم قام مستغفرا . فقال : إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي ، فأذن لي ، واستأذنته في الاستغفار لها ، فلم يأذن لي ، فما رئي باكيا أكثر من يومئذ . وروى أنه وقف عند قبرها حتى سخنت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها ، حتى نزلت : ما كانَ لِلنَّبِيِّ . . . إلى قوله : تَبَرَّأَ مِنْهُ .
--> ( 1 ) آية 113 ، 114 . ( 2 ) أسباب النزول : 150 . ( 3 ) سورة القصص ، آية 56 ( 4 ) الرضم : بالسكون - ويحرك : صخور عظام يرضم بعضها فوق بعض في الأبنية . ( القاموس ) .